أبي الفرج الأصفهاني
301
الأغاني
بحقّكم نالوا ذراها فأصبحوا يرون به عزّا عليكم ومفخرا قال : فعاد الحسن بن زيد له إلى ما كان عليه ، ولم يزل يصله ويحسن إليه حتى مات . قال أبو يحيى : يعني بقوله : « وإن كان معذرا » أن جعفرا أعطاه بأبياته الثلاثة ألف دينار ، فذكر أن له عذرا في مدحه إياه بجزالة إعطائه . إعجاب أبي السائب المخزومي بشعر له : أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الواقديّ عن ابن أبي الزّناد قال : كنت ليلة عند الحسن بن زيد ببطحاء ابن أزهر ( على ستة أميال من المدينة ، حيال ذي الحليفة ) نصف الليل جلوسا في القمر ، وأبو السائب المخزوميّ معنا ، وكان ذا فضل وكان مشغوفا بالسّماع والغزل ، وبين أيدينا طبق عليه فريك [ 1 ] فنحن نصيب منه ، والحسن يومئذ عامل المنصور على المدينة ؛ فأنشد الحسن قول داود بن سلم وجعل يمدّ به صوته ويطرّبه : صوت فعرّسنا ببطن عريتنات [ 2 ] ليجمعنا وفاطمة المسير أتنسى إذ تعرّض وهو باد مقلَّدها كما برق الصّبير [ 3 ] ومن يطع الهوى يعرف هواه وقد ينبيك بالأمر الخبير / على أني زفرت غداة هرشى [ 4 ] فكاد يريبهم منّي الزّفير - الغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق . وفيه للهذليّ ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة ، وأظنّه هذا اللحن - قال : فأخذ أبو السائب الطبق ! فوحّش [ 5 ] به إلى السماء ، فوقع الفريك على رأس الحسن بن زيد ؛ / فقال له : مالك ؟ ويحك ! أجننت ! فقال له أبو السائب : أسألك باللَّه وبقرابتك من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلَّا ما أعدت إنشاد هذا الصوت ومددته كما فعلت ! قال : فما ملك الحسن نفسه ضحكا ، وردّ الحسن الأبيات لاستحلافه إياه . قال ابن أبي الزّناد : فلما خرج أبو السائب قال لي : يا بن أبي الزّناد ، أما سمعت مدّه : ومن يطع الهوى يعرف هواه فقلت نعم ؛ قال : لو علمت أنه يقبل مالي لدفعته إليه بهذه الثلاثة الأبيات . أخبرني بخبره عبيد اللَّه بن محمد الرازيّ وعمّي قالا حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني عن أبي بكر الهذليّ .
--> [ 1 ] الفريك : طعام يفرك ويلت بسمن وغيره . [ 2 ] عرس القرم : نزلوا في السفر في آخر الليل للاستراحة ثم يرتحلون . وعريتنات : اسم واد . وقال أبو عبيدة : عريتنات ماء بعدنة . ( راجع « معجم البلدان » و « القاموس » وشرحه مادة عرتن ) . [ 3 ] الصبير : السحاب الأبيض لا يكاد يمطر . [ 4 ] هرشى ( وزان سكرى ) : ثنية قرب الجحفة في طريق مكة يرى منها البحر ، ولها طريقان يفضيان بمن سلكهما إلى موضع واحد ، ولذلك قال الشاعر : خذا أنف هرشى أو قفاها فإنما كلا جانبي هرشى لهن طريق [ 5 ] وحش : رمى .